Tuesday, November 10, 2009

كتاب الرغبة (20): الحاجز..والشهقة


"صمت الفراشات" رواية عن الرغبة، والإكراه، والحب المحرّم

إنها رواية تقول إن البشر مرغمون على الحياة في كذبة، وهو إرغامٌ لا ينبع سوى من خضوعهم لفكرة الاستكانة واستسلامهم لحواجز وهمية

وفي الرواية الصادرة عن دار الآداب في بيروت العام 2007، يتبين لنا كم تشدنا الحسرة للعقها

فراشات الروائية الكويتية ليلى العثمان هن النساء، وتحديداً هنا النساء الصامتات خوفاً، والمحكوم عليهن بأن يبتلعن ألسنتهن ومواصلة لعب دور الضحية. والشاهد أن بعض النساء يصمتن، ويرضين بما قدر المجتمع لهن، مثل زينب والدة نادية، الشخصية الرئيسية في الرواية، ومثل عائشة الفتاة التي يغتصبها أخوها، ويُطلب منها الصمت، فتصمت ثم تنتحر، ومثل إيمان زوجة فيصل شقيق نادية، وعائشة تلميذة نادية، وكذلك إيمان. غير أن بعضهن يتمردن، مثل نادية التي تروي ولا تصمت خلافاً لأمها، فنجدها ترتدي عباءة شهرزاد، علها تتحرر من العبودية وظلم المجتمع

"كلهم كان يأمرني بالصمت. كانت أمي حين تختلف معي على شأن حتى وإن كان يخصني، تضغط سبابتها على شفتيها وتقول: اصمتي واسمعيني.. أبي له طريقته الخاصة في إصدار الأمر بالصمت، مجرد أن يلمح إشارة الاعتراض على وجهي، يصفق بكفيه فأفهم أن علي ابتلاع الكلام وصوتي. لم يكن أخي أرحم، فحين كنت أراه يختلف مع زوجته، أحاول بسبب حبي لهما، أن أرش بعض كلمات لطيفة لتهدئة غضبهما قبل أن يتطور، فيتحول غضبه منها إلي: يصرخ في وجهي "اصمتي ولا تتدخلي" فلم أجرؤ بعد ذلك على إقحام نفسي ومشاعري الطيبة بينهما. حتى المعلمة التي يُفترض أنها المربية الفاضلة ضاقت بجدالي المتكرر.. عاقبتني بطرق شتى فتعلمت الصمت في حضرتها. كرهتُ صمتي. لكنني واصلته حتى جاءت اللحظة التي أعلمني أبي قراره بتزويجي من الثري العجوز. استطعت من هول اختياره أن أستجمع شجاعة موهومة وأنطق:
- لن أتزوج. سألتحق بالجامعة" (ص 16-17)

بطلة الرواية هي"نادية": فتاة لأب كويتي هو محسن، ولأم شامية من حلب هي زينب. تجبرها عائلتها على الزواج من كهل ثري والعيش معه في قصر يشبه السجن بالنسبة لها. تبدأ مأساتها مع الزوج المُسن في "ليلة الدخلة"



"أغمضت عينيّ، حاولت في لحظة أن أقطع المسافة ما بين ربيعي التاسع عشر وخريفه الستينيّ، لأكون قادرة على استنهاض كلمة واحدة أجامله بها وأكذب. لكن لساني تحجّر. واشتعلت بداخلي نارٌ وددتُ لو تركض ألسنتها إلى أبي وأمي اللذين قدّماني لقمة لجيفة من سلالة تتوارث مالها، أمراضها، ولا حائل دون نزواتها وغزواتها. ظلّ يحدّق بوجهي القمريّ بعينين منطفئتين لا تسعفانه على استكشاف بضاعته وتقييمها. تصوّرته سينحني ليقبّل جبيني كما يفعل العريس في الأفلام المصرية، ثم يسري بشفتيه على بستان وجهي الناعم ويذهب بعد ذلك حيث تسوقه شهوة الليلة الأولى. لكنه لم يحرّك سوى إبهامه. دعك به شفتيّ دعكاً غليظاً ظننته يسعى لمسح أحمر الشفاه عنهما راغباً في اكتشاف لونهما الأصلي. لكن صوته قطع كلّ توقّ:
- ها الشفايف الحلوة لو نطقت بشيء سأقطعها!
ارتجفتُ، شعرت بأمعائي تتعارك، احتجت إلى الحمّام لأفرغ دفقة الخوف، أردت أن أنهض لكن كفّه حطّت على كتفي ورصّتني ثانية إلى الأريكة وتابع:
- سرُّ الليلة لن يعرفه أحد. تعلّمي الصمت واعتاديه
هل للصمت لغة لأتعلّمها ولون لأعتاده؟" (ص 14- 15)

بدا قصر الصمت بئراً عانت مياهها من التعفن أو المرض

ثم تبلغ المأساة ذروتها حين يجلب خادمه المطيع عطيّة، ويأمره باغتصابها لفض بكارتها كي يسهل عليه الأمر بعد ذلك
هنا تقدم لنا ليلى العثمان غابة من التفاصيل

"وجهه صار قريباً من وجهي. ظل هكذا حتى اطمأن أن صوتي المبلوع لن يزوع صراخه، ثم التفت ناحية الباب وصرخ:
- ادخل
غلبني فضولي رغم خوفي، دفعني لأرفع بعض رأسي وأرى من المأمور الذي سيدخل علينا في ليلة يفترض أنها تخصني وتخصه، فوجئت بعبد بحجم مارد يقتحم الغرفة، يقترب من السرير ويبدأ بخلع ملابسه!. لم تسعفني براءتي لأستنتج إجابة لما يحدث. فزعي تنامى حين رأيت العبد أمامي عارياً تماماً يلتمع جسده بالعرق. لم أكن قد رأيت جسد رجل من قبل لكنني بشيء أشبه بالإغماءة اللحظية، لمحتُ جسد أخي الصغير حين كانت أمي تسقطنا في البانيو كل أسبوع لنستحم، كانت تصر أن أظل محتفظة بالقطعة الصغيرة التي تستر عورتي، بينما تترك أخي حراً منها. تبدأ به وعندما تنتهي وتلف جسده بالفوطة تأمره أن يخرج وينتظرها على السرير حتى تفرغ مني. عندها تأمرني أن أخلع الساتر وتدعكني بليفة غير خشنة. حين تغمر وجه أخي بالصابون ويغمض عينيه، كنت أشرع في تأمل جسده، فلا أجد بين جسدينا أي فروق غير ذلك الجزء الذي تسمح له أمي بإبرازه
ويوم احتججت ذات مرة زمت ما بين حاجبيها غضباً وقالت عورة البنت ما يصير يشوفها غير زوجها
أفقت والعجوز يأمر عبده:
- ابدأ
اقترب العبد فصرخت. ضاعف العجوز قوته وهوّس على ذراعي ضاغطاً بكفه اليابسة على ثغري ليكتم صوتي. بينما عيناي المرتعبتان لا تقويان على الانغلاق، أحدق بوجه العبد ذي العينين الصفراوين البارقتين، اقترب أكثر، كشف عني الغطاء الحريري، بدأ يعريني، عافرت بساقي لأمنعه، لكنه، ولشدة قوته، استطاع أن يوهن كل جسدي حتى سيطر عليه وباغتني بسيخ النار الملتهب، اخترقني حتى الحنجرة التي أفرزت سائلاً يصطخب مذاقه بكل الطعوم المُرّة. لا أدري كيف جاءت صرختي مدوية. كأنني اختزنت آلاف الصرخات فانطلق حبيسها دفعة واحدة. ضغط العجوز بذراعه على وجهي، شعرت بأنني أختنق وأموت وصوت العبد اللاهث يتسرب إليّ:
- تفضل عمي
حررني العجوز من ثقله ورائحته، أفقت فاصطادت عيناي العبد وهو ينحني لسيده بعدما هيأ له الوليمة، لملم ثيابه، حملها وخرج عارياً
لماذا قالت أمي إن زوجي هو الوحيد صاحب الحق في رؤية عورتي؟ لقد كذبت عليّ، شعرتُ بكراهية دسمة نحوها، تمنيت لو أنها أمامي لأندفع إليها أغرز أظافري المطلية بلون الدم داخل حلقها وأثقب لسانها. أصرخ في وجهها "هل انكشفت عورتك على أحد غير أبي؟"
التويت على جرحي، شددت ساقي المبللتين بنثار الدم إلى بطني متوجعة أذرف أنيني، أشتهي غفوة تنسيني الذي شاهدت وكابدت..." (ص 20-22)


مثل لحن جنائزي، تتصاعد معاناة نادية مع زوجها الكهل عندما يقدم في المشهد الجنسي الثاني على معاشرة الخادمة أمام عينيها وعلى فراشها

"ما الذي تفعله تلك المرأة المتجردة من كل خجل؟ كيف تستعذب الفعل دون تباطؤٍ ولا قرف!! صوته الأجشُ وهو مأسورٌ بتوحُّش جسدها يصارع ليخرج إليّ:
- شوفي..تعلمي
هل فقد عقله حتى يتصورني أستطيعه مضاهاتها بهذه اللعبة القذرة؟ هل يمكن لي أن ألوّث روحي وجسدي كما تفعل؟ كانت جورجيت أشبه بذئبةٍ جائعة، وكان هو أشبه بالطريدة تستهوي العواء. خمدا. والنار فيّ لم تخمد" (ص 57)


ومع الأيام، وبعد نحو أربع سنوات، تحاول نادية الهرب من القصر الذي سجنت فيه، وتنجح خطتها فتذهب إلى بيت أهلها. وحين يلحق بها نايف ويهددها تقف أمها وأبوها إلى جانبها، ويصاب الرجل المُسن بجلطة فيموت، لترث نادية القصر ومال الزوج

وبموت الزوج تبدأ رحلة نادية، التي تفاجأ بأن طيف الماضي يلاحقها في كل تحرّكاتها
ترفض نادية الاستكانة إلى واقعها الجديد كأرملة وتطلق صيحة في وجه أهلها

"- المال الذي أذلّني لن يسعدني، أريده من جهدي وعرق جبيني" (ص 102)

وهكذا تقرر نادية استكمال تعليمها في الجامعة، وفيها تتعرف إلى الدكتور جواد المتزوج من أمريكية وله منها ابن، لكنها تقيم في الولايات المتحدة، وهو في الكويت، ويريد امرأة يتسلى بها، وفي أحسن الأحوال يرغب في زواج متعة يتم سراً. يمارس الرجل حيلة الإغواء ويلف خيوطه حول نادية، التي تتلقى تحذيرات من الأم ونصائح من الأخ، لكن للعناد لذة
فالتمرد في هذه الرواية يكتسي طابع الاحتفاء بالجسد، مثلما يجري في معظم قصص النساء

"أمي تريدني أن أخاف لأنني أرملة، وهو يريدني أرملة لا تخاف لتشبع رغباته!" ( ص 142)

يحاصرها جواد بدهاء، فتحاول الابتعاد عنه لفترة قبل أن تعترف لنفسها بأن إحساسها أقوى منها

"كانت فترة التناسي أشقى من قهر القصر، أنهكني الصبر وذبتُ في الليالي" (ص 137)
غير أنها في قربه، لم تسمح لجسدها بأن يتحرر من يقظته المصطنعة. وفي حضوره، بدت شاشة عقلها مكتظة بالحسابات والاحتمالات
" - جميلٌ أن تكتشف بأنني امرأة قادرة على أن أضع غرائزي كلها في الفريزر" (ص 139)

وجواد هذا الذي لا مانع لديه من خيانة زوجته، يُخبر نادية أنه سيقتل زوجته لو علم أنها تخونه. كأن ليلى العثمان تريد أن تتحدث عن ازدواجية معايير الرجل العربي، حتى أستاذ الجامعة

في الوقت الذي تبتعد فيه نادية عن جواد وطمعه في جسدها، نراها تشفق على عطيّة وتساعده، وفي النهاية تميل إليه، حتى إنها تشتهيه في منامها وأحلام يقظتها

"..فصارت الليالي مرابض لأحلام اليقظة التي تجذبني إلى كمينها المُضيء، فأغوص فيها بلا حذر مع عطيّة. أراني مأسورة بين ذراعيه أتملّى في سماء وجهه الفاحم وأرى القمر بين عينيه، أشمُّ رائحة تنثُّ من جسده وكأنه خرج للتو من عصائر حديقة منوّعة الثمار، عطر أناناس، برتقال، عنب وموز. أغوص في فخاخ الرائحة وأذوب فيها. ومن شفتيه أتذوق طعم تفاح أخضر، لا أقرف ولا أتمنّع. وحين يعتليني أُحسّه مثل عمود النور المُطفأ ينحدر نحو شمسي ليمتص منها الضياء. لا أحسُّ بثقل جسد، أشعر به كتطواف ورقة ناعمة على سطح بحيرة وديعة. أسمع وشوشاتها، يؤنسُني حريقها وتشجيني عواصفها. كنت أجرؤ وأكشف له كل خرائط جسدين حتى التضاريس الصغيرة. وأستسلم لهرولة شلالاته تبللني حتى لحظة انقداح الرجفة التي ترضع ملحها الشراشف وتندفن في وسائدها نايات الشهقات. لم أكن أحتقر نفسي، ولا أشعر بأنني خاطئة أفعل الحرام، فالأمر لا يتعدى كونه حلم يقظة يتركني عطيّة بعده مثل ورقة النعناع الذابلة"
(ص 210-211)

والحبُّ حالةٌ غير موضوعية يصعبُ معها أن تُداري شَبَقَ الحاجة للآخر

"الليل الحنون بصمته يكرمني بموائد الأحلام العامرة بلذائذ لقاءاتي بعطيّة" (ص 235)

تُجمع تفاصيل الحياة مع بعضها البعض بأجزاء صغيرة من أحلام اليقظة التي تساعدنا على نسيان العالم المضجر الذي نسعى للهروب منه



"ها هو عطيّة يدنو إليّ..صدره العريض أمامي مثل جنة تجذبني إلى ينابيعها وجوف غيمها. هو الصدر ذاته الذي تأملته في ذلك الحلم حين داهمني العجوز وناداه ليجلدني "صدر بحشائش قليلة يربض عليه نهدان ممتلئان تتوّجهما حلمتان كبيرتان بحجم حبّة العنب الأسود" (ص 241)

تفرد نادية أشرعة الحلم حتى منتهاه

"ظل صاكّاً عليّ حتى أوصلني إلى السرير فانسدلنا كشلالين أُزيحت عن مصبهما الحجارة. استسلمت له بارتخاء لذيذ. كان شعري الطويل يموج على ذراعه، وشفتاه تطبقان على شفتي، وجسدي يدفأُ بجسده وأنا ألج بارتعاشاتي دهليز المتعة ثم أنسَلُّ منه كورقة نعناع معصورة يفوح بلّلُها" (ص 241)

لكن المجتمع، رغم أن "سيده" أعطاه صك حريته، يظل ينظر إلى عطيّة على أنه "عبد"، وهي بطبيعة الحال نظرة عنصرية تقوم على التفرقة الاجتماعية والطبقية على أساس لون البشرة. تنسى نادية ما فعله عطيّة بها ليلة عرسها، وتسامحه ولا تحقد عليه، خلافاً لأمها، وتعطيه شقة، وتطلب منه أن يتعلم، وتوظفه في شركتها، ولا تمانع في أن يكون زوجها، وهي التي عرضت عليه أن تزوجه من امرأة أخرى. لكن أمها وأخاها يرفضان سلوكها، ويستغربان منها ما تقوم به: أن تزوره في شقته، فالعبد يُنادى ويطيع، ولكن ماذا تفعل نادية الشابة بنداء الجسد؟!

في المشهد الجنسي الثالث في الرواية، تستسلم نادية بين ذراعيّ عطيّة، لكنه يتوقف ويمتنع عند الحافة

"لم يكن لنا من خلاص إلا أن نبحر في لحظة حب تزفنا إلى جنّتها. استلقينا على السجادة. أخذ يلعق دموعي، وشفتاي تبحثان عن مستقرهما بين شفتيه. تركت لجسدي حريته ليلتهب ويشتعل بالنار، أردتها أن تصهر طوق الحديد الذي ظل يحافظ على حدوده. تمنيته يقتحمني، يشُقّني كتلك الليلة الأولى. لكنه في اللحظة الحاسمة تماسك وتوقف. واجهته بعينين لا تخلوان من خوف وحذر. كانت روحه تخوي من كل أحلامها وتتهاوى" (ص 269- 270)

ناره تلفح أسوارها، ثم ترتد كرة من لهب

وتتكرر المحاولة مثلما تتكرر النتيجة، حين يتهرب عطيّة في اللحظة الحاسمة

"لم أترك له فرصة ليجلس، حاصرته بذراعي ودخلت به غرفة نومي، وعلى سريري الذي شهد أحلام يقظتي هويت به. تمدنا متلاصقين يسري دفء واحدنا إلى الآخر. وكلانا يأمل أن تنفتح طاقة ليلة القدر لتقطف أمنيتنا ألا نتفارق
هو الآن في سريري وبين يدي، ليس خيالاً بل حقيقة من لحم ودم ونبض. أمارس معه ما اعتدته في أحلام يقظتي من مباهج العشق، كانت أصابعه كالمحراث المصنوع من لجين تعضُّ بتربة جسدي، كفّاه تدعكان صدري، وأسنانه تلوك الحلمتين فأحسّهما تكبران وتتورمان. أصرخ بتأوهات الألم واللذة. وبكل إثارتي أراوده أن يقترب من البوابة التي اغتصبها في قصر العجوز؛ لعله يغرس نبتة منه في رحمي لتكون "الأمر الواقع" الذي نواجه به أهلي المتجلّدين، فقد تنفذ شوكة من الدفء إلى قلوبهم ويرضخون، لكنه ظل يبتعد كالمرة السابقة، والسرُ يحيرني: هل يلاحقه شبح العجوز فيخشى سوطه! أم يريد أن يبقيني طاهرة كطهارة حُبّه؟" (ص 282)

ما من احتراق يشبه إشعال نار رغبتك وإخمادها بالامتناع

يقول لها عطيّة إنه يريد مغادرة المدينة كي لا يفصل بينها وبين أهلها الرافضين لعلاقته بها. ويتبين لنا أن شعوره بتأنيب الضمير بعد اغتصابه لها في ليلة الدخلة صنع حاجزاً بينهما
"أطرق برأسه وجسده ينتفض وكأنه أصيب بمرض الرُّعاش:
- تلك الليلة في القصر ستبقى حائلاً
صرخت فيه:
- لكنني نسيتها يا عطيّة وغفرتها لك
جَعَرَ بصوتٍ كمن يصفع نفسه ويبصق عليها:
- أنت نسيت. لكنني لم أستطع أن أنسى أو أغفر لنفسي" (ص 284)

إن عطيّة يرفض أن يواصل العلاقة التي أرادتها نادية. ويبدو أن ليلى العثمان تريد أن تقول لنا إن الرجل، العبد في مجتمعنا تحرر، في حين أن المرأة، السيدة ليست كذلك، وإنها هي العبدة، وإن العبودية ما زالت موجودة في المجتمع العربي، ومقتصرة على المرأة، مادامت هذه لا تستطيع أن تتصرف وتقرر بمعزل عن الأم والأب والأخ



تصف الروائية النهاية على الصورة التالية: "نشجت.. فالتقم شفتيّ ودموعه تُغرق وجهي، وهمسه العذب يصبُّ في أذني:
- آآآه يا حبيبتي.. ليتني أقدر.
تخلص من ذراعيَّ بصعوبة، وفرَّ منحدراً الدرجات تاركاً قلبي يلعق أساه، وروحي الذائبة المهشّمة وراءه وتهمس:
- آآآه يا عطيّة ... كم أغبطك رغم ما أعانيه، فأنت الآن السيّد الحرّ الذي يتخذ قراره ببسالة الفرسان، بينما أنا – العبدة- الضعيفة أكمن في أسري، وأنتظر من يمنحني شهادة عتقي" (ص285- 286)

اعتمد البناء اللغوي للرواية على نوعين من الصُّوَر، نوعٍ سرديّ وآخر وصفيّ. ويعد وجود نادية في القصر هو الكتلة السرديّة الأولى في "صمت الفراشات"، وهي الكتلة الأكثر جمالاً وتأثيراً وإقناعاً في الرواية، فهي تجعل المتلقي ينفعل ويتعاطف مع نادية، وينفر من العجوز والعبد، ويناهض المال وصاحبه، وبَيْع الفتاة باسم تزويجها، وقَتْل الحياة والقيم في الإنسان بدلاً من إحيائهما.‏
أما النوع الثاني من الصور فهو الصور الوصفيّة، كصورة نايف العجوز في عيني زوجته نادية في بداية ليلة العرس: "خطا متمهلاً تجاهي. ظهره المحدودب يثني رأسه حتى تكاد ذقنه تلامس عظمة صدره. توالدت بداخلي المخاوف مثل دبابير سجينة تتقافز، تتراكض، تحاول بشوكها خرم لحمي لتفر ناجية من عصوف قلبي التي تقرع كطبول إفريقية مجنونة كلما تقدم خطوة نحوي. انتصب أمامي. ظلت عينايّ مسبلتين كارهتين التقاء وجهه. حرّك كفه تجاه وجهي وبسبابة هشة رفع ذقني فتقابل وجهانا" (ص 14)

نلاحظ إيراد فقرات مجازيّة صرف، كقول نادية في التعبير عن حالها في القصر: "اكتظظتُ بالأوجاع، تخمّرت رئتاي برائحة القصر الذي لا تتنفّس فيه الجدران إلا عِللها، وتتثاءب فيه أفواه التماثيل الجامدة تنـزُّ صدأ عصورها المنصرمة" (ص 23)

ربما يبدو الحب بين امرأة ومغتصبها مستغرباً وغير منطقي، لكن الرواية تمضي في هذا الاتجاه ولا تلقي بالاً لمن يعتبرون تلك العلاقة الخاصرة الرخوة التي تفسد جوهر الحكاية

ترى، هل يستسلم الجسد لظله ويقتفي أثره كبخيل يكره ورثته؟

"أي سر جعلني أحب عطيّة؟ هل هو اندفاع قلبي الذي تعذّبت حتى ترممت أشلاؤه بعد تجربتي الخائبة مع جواد؟ هل هي أقدارنا التي يرسمها الله لنا فنمضي مسيّرين؟ أم هي فورة الجسد بعد الصبر والحرمان؟...أنا الآن ملء وعي واكتمال نضوج، لكنني الأرملة التي تصبح في مجتمعنا "سكندهاند" لاتتوقع عريساً إلا أرملاً أو مطلقاً أو متزوجاً راغباً في زواج ثان للمتعة" (ص 242)

على صعيد اللغة قدمت العثمان لغة شاعرية متدفقة، تغلبت من خلالها على طول السرد- أحياناً- على لسان المتحدث الذي هو نادية من خلال استعراض معاناتها. نقرأ على سبيل المثال

"ومثل دودة شبه مهروسة تعاني سكرة الموت، ظللت على الأريكة عاجزة عن الحركة. كل شيء في الغرفة الفخمة يحاصرني بحبال غليظة. وأحسست بصمت مريب يهطل من السقف مثل بقايا رماد المواقد البائت ويتوزع في الغرفة سريعاً، يهبط على الأضواء التي لم تعد قادرة على وأد الظلام الذي غمر روحي وتمازج بأنسجتها. وددت لو أفلت صوتي، أطلق ولو صرخة واحدة تدكُّ القصر فأواجه الفضاء حتى وإن تهت فيه، لكن حنجرتي لم تسعفني. وتاه لساني حتى حسبت أنه قطعة قبل أن يغادر الغرفة. ظلت كلماته تطن في أذني: "عليك أن تعتادي الصمت". كلهم كان يأمرني بالصمت. كانت أمي حين تختلف معي على شأن، حتى وإن كان يخصني، تضغط سبابتها على شفتيها وتقول "اصمتي واسمعيني". أبي له طريقته الخاصة في إصدار الأمر بالصمت. مجرد أن يلمح إشارة الاعتراض على وجهي؛ يصفق بكفيه، فافهم أن عليّ ابتلاع الكلام وصوتي. ولم يكن أخي أرحم" (ص 16)

ثمة مفردات قليلة من اللهجة الدارجة سواء الكويتية أو السورية (الأم) تناثرت بين ثنايا الرواية، وكذلك الأمثال الشعبية وغيرها، مثل "فوق شينها قوات عينها" (ص 78)، وقد يستوقفك استخدام الروائية في سياق الرواية عناوين روايات لأدباء عرب معروفين، مثل "الشمس في يوم غائم" (حنا مينة- ص 156)، و"فخاخ الرائحة" (يوسف المحيميد – ص 211)، و"سيدي وحبيبي" (هدى بركات – ص 256)

لعبة المرآة موجودة في الرواية

"وقفت عارية أمام المرآة أتأمله وأندهش: آآآآهٍ لهذا الجسد المصاغ من لُجين ونور. جلده لم يترهل، ولونه الأبيض لم يفقد نعومته ولمعانه، نابض كقلب، شهيٌّ كفاكهة الصيف. شعرت بالشفقة على نفسي كيف لامرأة مثلي في ريعانها أن تُحرم من يدٍ ترشها بالعطر وتفتح وريقاتها المنطوية؟ تأملت شفتيّ الصابرتين اللتين لم يمسهما حتى جواد الذي أحببته، ولم يتذوقهما غير ذلك العجوز الذي لا يستحقهما، والذي لم يفلح أن يُسيّسهما لتستسلما لهجوم شفتيه الرخوتين. تأملت صدري الناهض الذي كانت قطفته الأولى بكفّيه اليابستين اللتين لم تُحركا فيه ساكناً. انحدرت نحو نصفي الأسفل المنساب نحو بوابة الدخول التي تسلل إليها ثعبان عطيّة الحارق ثم ثعبان العجوز الأشبه بخيارةٍ ذابلة. أيقنت بفرح أن لي جسداً لا يزال بضاً يحتاج ويهتاج وله الحق أن يبحث عن وسيلة ترشُّه بالملح والندى" (ص 210)

أما تصوير اللحظات الحميمة فقد استخدمت فيها ليلى العثمان لغة أدبية خاصة كقولها: "جسدي يرتعد، وانقباضات روحي تتزاحم، تحدرت دموعي تحرق وجنتي، لم أهتم أن أمسحها، قلت ربما لو رآها يشفق علي، يتمهل في فض أوراق الزهرة المرتعشة، يعطيني فرصة لأعتاد عليه، وأتعود كيف ترضخ الفريسة لمفترسها" (ص 19)

عمدت ليلى العثمان إلى تأكيد بعض الكلمات والمشاعر بطريقة الضغط على الحروف من خلال كتابتها حرفاً حرفاً كقولها: "الزمن ي.. ز.. ح... ف وأنا رهينة لأعتام الأيام والليالي متشبثة بالصبر والصمت" (ص 28)

ربّما يصيبك بعض الملل في منتصف الرواية- التي تقع في 286 صفحة- بسبب رتابة القصة، وقد تشعر بالدهشة لأجواء معاصرة يكون فيها "سيد" و"عبد"، وامرأة يفترعها الخادم بأمر من سيدهن ثم إذا بها تسامح الغاصب لأنه مأمور وفاقد للإرادة. غير أن "صمت الفراشات" تبقى ضرورة لفهم جوانب خفية من علاقاتٍ مسكوت عنها

إنها العلاقات المأزومة التي تدخل في دهليز المتعة والحرمان، فتعرف معنى التيه إلى أن تصطدم بحاجز كبير اسمه الواقع

Monday, November 02, 2009

يوميات ساحر متقاعد



هذا أنا: أنتم


بقايا حكاياتٍ ورمادُ أيامٍ مرشوشة بالملح حيناً، وغارقةٍ في العسل في أحيانٍ أخرى

والصفحات التالية ليست سوى شاهد ملكٍ في قضية خاسرة، وربما كانت مرافعةً في قاعة محكمةٍ غادرها المتهمون وبقي القاضي يشكو وحدته داخل زنزانةٍ تليق بمهابته

إنها قصصٌ مكتوبة عني وعنكم، سطرتُها في ارتحالاتي المُتعَبة، من القاهرة إلى الدوحة، ومن واشنطن إلى عمان، وصولاً إلى دبي.. يا لها من مُدنٍ استنزفَ العابرونَ منها الهواءَ قبلَ أن يغادروها

والقصصُ كالخمر، تتعتقُ حين تُروَى

الكلماتُ تشبهني، كأنها توائمي، وهي بصماتي على عقولٍ وأرواح عرفتُها وعرفتني. كتبتُ بعضَها وأنا أحملُ حقيبةَ سفري وأذوبُ في زحام مطاراتٍ تُعَدُ أول تمرين إنساني على الانتظار، وفي غرفٍ يدفعُ بياضُها إلى التبرمِ والضجر، وعلى مقاهٍ تمنحُك المنفى الاختياري الذي تشتهيه، وفوق أرضٍ مبتلة داكنة اللون بفعل الثلج الذائب تشي برائحة الربيع

أسميها نصوصاً إنسانية، ولكم أن تسموها ما شئتم، فلا يهمُني جنسُ الجنين ولا نوعُه، ما دام بين أيديكم وفي قلوبكم. علمتُ كلماتي أن تبوحَ عن الابتساماتِ المُعلبة، والضحكةِ التي توقظُ الأرض، ودروبِ الرغبةِ التي تهتزُ بالانفجاراتِ، والغرباءِ الذين يقتحمون حياتنا دون سابق إنذار، والوجوهِ التي تومضُ بالكبرياء، والحقدِ الذي يجعلُ البعضَ يملكون نظرةَ كلبٍ مشوه

والحكاياتُ يا أحبتي فتاةُ هوى تستمدُ ثقتها من فرطِ خطيئتها، وتغادرُ منزلها كل مساء كآلهةٍ للفضيلة..وضحيةٍ منتظرة


والكاتبُ الأصيلُ طينةٌ من تذكاراتٍ شرسة، يتحدى ويتمردُ، يرصدُ ويسجلُ حتى النهاية، وعندما تذهبُ إلى قبره لا بد أن ترى قدميه خارجتين منه. وهو أيضاً إنسانٌ مستعدٌ لأن يجرحَ قلبَه حتى يَنظُمَ قصيدةً عن جمال حبيبته

بين دفتي الكتاب تنامُ إجاباتي على "تاجات"، وهي سلسلةٌ من الأسئلة الشخصية والعامة دأبَ المدونون على تداولها وتناقلها، ليجيبَ عليها كلُ واحدٍ منهم بطريقته وأسلوبه الخاص، كاشفاً عن آرائه ومشاعره. ولأن الحدسَ أفضلُ أصدقائي، فقد اخترتُ للنشر نماذج من هذه "التاجات"، التي أجبت عليها في مدونتي "قبل الطوفان". بعضُ الإجابات على هذه الأسئلة تشبهُ أعوادَ السمسمِ الناضجةِ التي تتمايلُ بانكسارٍ في الظهيرة، وبعضُها الآخر حفنةُ ذكرياتٍ يابسة تصلحُ وقوداً لمدفأةٍ في ليالي الشتاء الطويلة. وفي الحالتين، كانت الإجاباتُ تستفيضُ بي لدرجةٍ تدفعُ إلى الجنون

تلك الشرفاتُ التي أطلُ منها على ما أريد، كانت بطاقة تعارفٍ مع مدنٍ يتذوقها الندى، وأشجارٍ تكتب شهادةَ ميلاد الأمكنة، ورجالٍ في قامةِ النخيل، ونساء يملكن أجساداً تبدو كأنها دُلِكَت من قبل صفٍ طويل من العشاق حتى أتقنت شكلَ الاستدارة وفنَ الإثارة


كانت هناك دوماً موسيقى، وعازفون ينحنون على آلاتِهم بحنانٍ ليقدموا لنا فرصةً نادرة للغواية، أو الشجاعة الكافية كي نقولَ وداعاً. والموسيقى سرُ البهاء والأحزان النبيلة والمتعة التي تتغذى على رغيفِ الجسد

يصفُ الكاتبُ الفرنسي رينيه شار الشاعرَ بأنه هو ذلك المرءُ الذي يمتلكُ الشهيةَ لقلقٍ يؤدي الانتهاءُ من استهلاكه إلى الغبطة. وبالمثلِ، يمتلكُ الكاتبُ المتمكن شهيةً متأصلة للقلق، يُعبِرُ عنها عادةً بكل اقتدار. إنه يصطادُ اللحظة بكل زخمها، ويسجلها قبل أن تفلتَ، قبل أن تخبو جذوة الاستمتاع بها

وهكذا فعلتُ

لقد علمتني الدفاترُ التي أضعها تحت إبطي أن الكتابةَ درسٌ في التنفس. نحن نكتبُ لنقاومَ الفناء الذي يطوقُ سرابَ صورنا مع أحبتنا - أو من كانوا كذلك- على جدران الذاكرة

نحن نسطرُ تلك الذكريات حتى نؤكدَ لهم ولأنفسنا أننا شفينا من أوهامنا التي جعلتنا نظنُ أننا وجدنا أخيراً من نحبُه إلى الأبد

نحن نتحررُ وننزعُ أقنعتنا فوق صفحاتٍ بيضاء أو في فضاء الإنترنت، حتى نصارعَ ونصرعَ النسيان، لأنه موتٌ سريري

الكتابة إذاً اختيار..وفعلٌ إيجابي، في وجهِ من أرادوا دفننا تحت أنقاض أكاذيبهم وخداعهم وأنانيتهم

الآن نفتحُ أعيننا جيداً لنرى..ونكتب

وأولُ شروطِ الكتابة هو أن نكونَ كما نحن، ببساطةِ البشر وأخطائهم وحقيقتهم المجردة.. فلا تجعلوا مقصَ الرقيبِ يقصُ ألسنتكم أو يحولَ حياتكم إلى شريط سينمائي حذفَ الرقيبُ منه كل اللقطات المهمة واللحظات الكاشفة

الكتابة مغامرةٌ شخصية بامتياز لكل من قررَ أن يقطفَ عناقيدَ الأمنياتِ التي تتدلى فوق خاصرةِ المدينة

والكتابةُ مواجهةٌ، ففي هذا العالمِ الفسيح لا مكانَ للهرب

وفي كل مرةٍ كنت أكتبُ فيها، كنت أتذكرُ نصيحة شهرزاد في "ألف ليلة وليلة" وهي تقولُ بعبقرية من يراوغُ الموت بقرار من شهريار:
‏‎"‎عليّ ألا أدعه يشرد كي لا يفكر بقتلي". فالقارىء دائماً على حق، وإن كان قاتلاً

من السهل الإقلاعُ على متن طائرةٍ والسفرُ إلى مكان لا نعرف فيه أحداً..من الصعب أن نغادرَ أنفسنا وذكرياتنا وعبقَ الروائح التي التصقت بحواسنا وأحاسيسنا. ربما لهذا السبب وجدتُ في هذه النصوص مُتنَفساً، حتى عشنا معاً مثل عاشقيَن محكومَين بتعبِ العلاقاتِ الغرامية خارج نطاق الزوجية. والذين أتيحت لهم فرصةُ متابعة مولد هذه الكلمات يعرفون جيداً أنها جزءٌ من الرحلة التي أقطعُها في هذه الحياةِ المسكونة بالمفاجآت، وقبسٌ من روحٍ مشتتة تقاومُ الاطمئنانَ الأخير

لقد قررتُ أن أترك بياضاً كثيراً في كتاباتي ..علني أضيء به

وفي البدء، كان الورقُ خالياً، وكان لابد من بعض النصوص

وبعد

حان وقت القراءة..أرجو لكم رحلة ممتعة

من مقدمة كتاب "يوميات ساحر متقاعد"، دار العين للنشر، القاهرة، 2009

Sunday, October 25, 2009

قضية الراهب المشلوح (5): دموع رئيس التحرير





رئيس تحرير جريدة "النبأ" بكى، واشتكى من أن البعض يريده كبش فداء بهدف إلهاء الرأي العام بدمائه

وعلى مدى ساعتين ونصف الساعة، قدم مهران في مؤتمر صحفي عقده للدفاع عن نفسه في 10 يوليو 2001 أوراق اعتماده كصحفي، على أمل أن يكون ذلك مخرجاً له من الأزمة التي تسبب فيها

رئيس تحرير "النبأ" المصرية لم يجد أمامه سوى اتهام المجلس الأعلى للصحافة في مصر وجهات أخرى لم يُسمها بمحاولة إحداث فتنة طائفية بالتربص به وبجريدته

واستعرض ممدوح مهران تاريخه الصحفي وعلاقاته بالمسيحيين منذ طفولته، وعرض صوراً فوتوغرافية له مع البابا شنودة لتأكيد علاقته القوية برئيس الكنيسة المصرية، مشيراً إلى أنه يدافع عن قضايا الأقباط. ولفت إلى أن مدير تحرير جريدته مسيحي، وقال إن هدفه من نشر قصة الراهب المفصول كان حماية الكنيسة ورجال الدين المسيحي من هذا الشخص. ورفض مهران التعليق على ممارسة الراهب المفصول. وقال إنه "ليس للجريدة سوابق قضائية سوى قضية واحدة أخذنا فيها البراءة"، وأكد وجود كثير من الإعلاميين تكالبوا على "النبأ" بهدف ذبحها. وأضاف أن المجلس الأعلى للصحافة لم يرسل للجريدة سوى شكوى رجل الأعمال نجيب ساويرس، والتي "نشرناها وأرسلنا ردها للمجلس"

وأكد أن التقارير الخاصة بملاحظات المجلس الأعلى للصحافة والخاصة بملاحظاته على الصحف وضع "النبأ" ثالث صحيفة للأخطاء برصيد 930 خطأ وذلك بعد "الأهرام" التي سجلت 1988 خطأ خلال فترة الدراسة، ثم "الأخبار" التي سجلت 1010 أخطاء خلال الفترة نفسها، وأتت "الوفد" في المركز الرابع على حد قوله. كما انتقد مهران تصرف المجلس الأعلى للصحافة بوقف "النبأ" بدعوى هذه الأخطاء، قائلاً إنه من المفروض حسب هذه الأخطاء وقف "الأهرام" و"الأخبار"


مهران رأى أنه "لا توجد صحافة صفراء أو حمراء وما حدث ليس أكثر من جريمة نشر"، وقال "إن ما يربطنا من علاقة مع المسيحيين والبابا هي على أعلى وأسمى ما يكون حتى هذه اللحظة". وأشار إلى أنه "إذا تقدمت الكنيسة بمساع للصلح لن أرفضها"، مؤكداً أن "النبأ" تولت منذ إصدارها قضايا المسيحيين. وقال "إن ما تم نشره كان دفاعاً عن أقدس المقدسات التي أساء إليها الراهب المشلوح وإن ما كتبه كان من خلال مستندات"


ورداً على الصور الفاضحة التي نشرها قال إن "هذه الصور هي مستندات وإنني لم أوضح صورة السيدة الشريفة فريسة الراهب خوفاً عليها وعلى أسرتها". واعترض مهران بشدة على سؤال عما إذا كان الشريط قد تسرب إليه من الأمن أو من جهات أخرى، ونفى بشدة أن يكون قد تسرب إليه من أية جهة أمنية، قائلاً إنه لا يكتب ما يمليه عليه ضابط شرطة أو أي مسؤول، ولكن الشريط يباع في الشارع ببلدة القوصية

وأكد مهران أنه أعلن عن مؤتمر صحفي كي يحتمي بهذه السلطة بالرغم من أنها أصدرت عليه حكمها مسبقاً. وأضاف أن الصحافة هي قاض يخاطب الشعب من خلال السلطة التي منحها لها الدستور، وشدد على أنه خدم 40 سنة في بلاطها، وأنه عندما نشر هذه التحقيق لم يكن يفتقد إلى الخبرة



وأشار مهران وسط دموعه إلى أنه التزم الصمت طوال الفترة الماضية، ولكن عندما "تكالب الجميع" على ذبحه أراد عقد هذا المؤتمر ليوضح الحقائق. وأفرد مهران مساحة كبيرة من مؤتمره الصحفي للحديث عن نفسه وعن إنجازاته وعن تربيته وتعليمه وسط الأقباط في بلدته بسوهاج، وكيف أن والده وهو عمدة أعاد بناء سور دير هدمه الفيضان

رئيس تحرير "النبأ" لم ينس أن يقول إن في مصر دستوراً وقانوناً وحرية رغم الإجراءات التعسفية التي اتخذت، وقال بأسلوبٍ لا يخلو من الخطابة الدعائية: أسجل أن عهد مبارك صنع في مصر استقراراً يرتكز على حرية واسعة وسيادة قانون رادعة وأن الرئيس مبارك نجح في ذلك.. ويكفي أنه لم يظـهر في عهده ما يسمى بمراكز القوى ونجح في أن لا يكون هناك مظلوم

مهران أكد أنه لن يكون في يوم أسيراً لأي حملة إعلامية

وأشار إلى الحكم بوقف جريدته قائلاً: إنني لو كنت في مكان القاضي الذي أصدر الحكم، لأصدرت الحكم بوقفها حتى تخمد هذه الثورة. وأكد أنه بالرغم من وجود هذه الإجراءات الإدارية الزائدة عن الحد فإن القانون وحده هو الذي يحدد موقف الصحيفة، وأن القاضي الذي أصدر الحكم يعلم جيداً أن هناك من تكالب على "النبأ" ليحرمها من الصدور

واستند مهران في هذا إلى حيثيات الحكم الصادر من القضاء الإداري بشأن وقف صدور "النبأ" و"آخر خبر"، مشيراً إلى أن هناك جهات عدة، والقضاء انتصر لهذه الجهات في هذا الحكم، وهي تتمثل في المجلس الأعلى للصحافة الذي تقدم بدعوى ضد مؤسسته الصحفية. وأبدى مهران دهشته من عدم محاكمته أمام قاضيه الطبيعي وهي محكمة الجنايات قائلاً "إنها قضية نشر فكيف أحاكم بقانون الطوارىء"


وأشار مهران إلى أن شريط الفيديو الخاص بالراهب مدته 40 دقيقة وما تم نشره 10 ثوان فقط

وقال إنه "كان لابد من نشر الصور كمستند حتى لا نتهم بالفبركة". ولفت الانتباه إلى بيان الكنيسة التي أكدت أنه فصل بسبب سلوكياته وأوضح أن القضية أخذت منعطفاً خطيراً وبشكل غير طبيعي وهاجمتنا حملة تتارية، كأن هناك من يريد الوقيعة بين الكنيسة وبين النظام فاختلطت الأمور ووقف الجميع يرددون أنهم مع الوحدة الوطنية. وأكد مهران أنه لو عادت "النبأ" للصدور سوف تكون هناك مفاجأة. وأضاف أن تغيبه عن حضور جلسات المحاكمة كان بسبب أنها في مرحلة الإجراءات. ورداً على اتهامه برد المحكمة بشكل مسرحي، قال مهران: "لست ممثلاً ولكنني أتخذ قرار الرد عن طريق هيئة دفاعي ولم يكن في الوقائع سوء قصد"


المؤتمر الصحفي الذي عقده مهران استغرق ساعتين ونصف الساعة وحضره العديد من ممثلي الصحف والوكالات المحلية والعالمية، كما حضره بعض أعضاء هيئة الدفاع عن الكنيسة


في اليوم نفسه للمؤتمر الصحفي، 10 يوليو 2001، قررت محكمة القضاء الإداري تأجيل الدعوى المقامة من دفاع مهران ضد قرار النائب العام بإحالة رئيس تحرير "النبأ" إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارىء إلى جلسة 4 سبتمبر المقبل لتقديم مستندات


الجلسة الأخيرة قبل النطق بالحكم، كانت مثيرة على أكثر من صعيد

ففي حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 11 أغسطس، عندما كانت جلسة الاستماع على وشك أن تبدأ، اشتبك المحامون عن الكنيسة في مشادة كلامية مع محامي مهران..على ترتيبات الجلوس. وفي الجلستين السابقتين، طلب رجال الأمن من محامي الكنيسة بالجلوس على المقاعد الخشبية على الجانب الأيسر، فيما جلس محامو مهران على المقاعد الخشبية على اليمين. غير أن محامي الكنيسة ممدوح رمزي قرر لسببٍ غير معروف، الجلوس مع محامي مهران. وبعد ما يقرب من نصف الساعة من تبادل الصراخ، نجح رجال الأمن في إقناع رمزي بالانضمام إلى محامي الكنيسة على الجانب الأيسر


وكالعادة، اتخذ العشرات من ضباط الأمن أماكنهم بين الجانبين، كأنهم قوات فصل


وفي أعقاب دخول القاضي أسامة محمد علي، طلب من فريق الدفاع عن مهران البدء في مرافعته، غير أن محامي الكنيسة نجيب جبرائيل صاح قائلاً: "حضرة القاضي، نود أن تتاح لنا فرصة الكلام". رد القاضي بنفاد صبر "لا يحق لكم الترافع؛ لأنكم لستم طرفاً في القضية. أنتم تحضرون الجلسة فقط لأنها علنية"

أما الدفاع فقد وجد أن حيز المناورة أمامه محدود، بعد أن رفضت محكمة النقض في 8 أغسطس الطعن المقدم من الدفاع في اختصاص المحكمة بالنظر في القضية، والطعن بعدم كون القاضي مناسباً للنظر في قضية حظيت باهتمام عام كبير

من هنا يمكن فهم كلمات محامي الدفاع مرسي الشيخ، إذ قال مخاطباً القاضي "إننا نؤكد احترامنا لهذه المحكمة، ونود التنويه بأن أي إجراءات سابقة اتخذها الدفاع كانت ممارسة لحقوقه القانونية"

وأعاد الشيخ مع محام آخر في فريق الدفاع، هو نبيه الوحش، المطالبة بإجراء تحقيق في تصرفات عادل سعد الله غبريال المعروف قبل عزله عام 1996 باسم برسوم المحروقي. كما طالب الوحش بضم قضية شريط الفيديو الفاضح المنسوب إلى هذا الرجل إلى أدلة القضية. وقال "إن هذا يظهر أن مهران نشر الحقيقة؛ لأن المرأة التي رفعت شكوى ضد برسوم المحروقي قالت إنه ابتزها على مدى السنوات العشر الماضية، أي قبل شلحه"

هنا صاح المحامي نجيب جبرائيل "هذا إصرار على تشويه سمعة الكنيسة"، لتبدأ مشادة كلامية جديدة بين فريقي المحامين. واضطر القاضي إلي مغادرة قاعة المحكمة. تدفق مزيد من رجال الأمن على القاعة، ونجحوا في استعادة النظام، قبل أن يعود رئيس المحكمة ويطلب من الدفاع عن مواصلة مرافعته

بادر المحامي مرسي الشيخ بالقول إنه ينبغي النظر في القضية أمام محكمة عادية، وليس محكمة أمن الدولة ، ينبغي النظر في القضية. كان فريق الدفاع عن مهران يعقد الآمال على إمكان موافقة محكمة القضاء الإداري على هذا الطلب في جلستها المقررة في 4 سبتمبر

بعد استراحة استمرت 15 دقيقة، أدلى القاضي بكلمة قصيرة قال فيها: "إن الحكم في هذه القضية سيصدر في 16 سبتمبر. رفعت الجلسة"
"يحيا العدل"

هكذا هلل محامو الكنيسة، فيما أصيب فريق الدفاع عن مهران بحال من الوجوم

لم يكن وجومهم نابعاً من فراغ

ففي اليوم الموعود، أصدرت محكمة جنح أمن الدولة العليا طوارئ حكماً بسجن رئيس تحرير صحيفة "النبأ" ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة وغرامة مالية قدرها 200 جنيه مصري بتهمة إثارة الفتنة

أدانت المحكمة مهران لنشره تحقيقاً صحفياً وصورا فاضحة عن ممارسات جنسية منسوبةٍ للراهب المشلوح برسوم المحروقي، فضلاً عن إدانته بتهمة ازدراء الأديان والإساءة إلى الكنيسة المصرية. وقال القاضي في منطوق حكمه إن "التحقيق الصحفي لم يكن يستهدف إلا إثارة الفتنة بين نسيج المجتمع المصري"

ووصف ممثل الدفاع الحكم بأنه باطل، مبرراً ذلك بأن المحكمة لم تسمح له بتقديم الدفاع وقال إنه سيرفع دعوى مخاصمة شخصية ضد القاضي، تتضمن من بين طلباتها الرئيسية إبطال الحكم الصادر من محكمة أمن دولة طوارئ. بيد أن محامي الكنيسة أشادوا بالحكم قائلين إنه وسام على صدر القضاء المصري

مجدداً، فاق عدد رجال الأمن باقي الحضور

وفي غرفة المداولة، أوضح القاضي للصحفيين أن مهران وُجِدَ مذنباً في جميع التهم المنسوبة إليه ، باستثناء تهمة محاولة التأثير على القضاء. وأشار إلى أنه لا يجوز معاقبة مهران عن كل تهمة على حدة، وإنما يُحكَم عليه فقط بالتهمة التي تتضمن أقصى عقوبة

لم يكن أمام مهران سوى الخضوع للحكم؛ لأنه لا يمكن الطعن في أحكام محاكم أمن الدولة العليا طوارئ ولا يتاح للمتهم أمامها سوى التظلم من الحكم أمام نائب الحاكم العسكري (رئيس الوزراء طبقا لقانون الطوارئ في مصر) الذي يصدق على الحكم أو يعيده للمحكمة مرة أخرى

وكان مهران قد استأنف حكماً بإلغاء ترخيص صحيفتي "النبأ" و"آخر خبر"، في حين كسب الجولة الأولى في قضية ثالثة رفعها على نقابة الصحفيين لشطب اسمه من سجلات النقابة

وفي 25 فبراير 2002
ألغت المحكمة الإدارية العليا حكماً سابقاً يقضي بإلغاء ترخيص صحيفة "النبأ الوطني" الأسبوعية وصحيفة "آخر خبر" اليومية. وفتح هذا الحكم الباب أمام عودة الصحيفتين للصدور بعد مرور عشرة أشهر على توقيفهما

جاء حكم المحكمة الإدارية نقضاً لحكم محكمة القضاء الإداري الأقل درجة بإلغاء ترخيص "النبأ الوطني" و"آخر خبر" في يوليو 2001. وذكرت المحكمة الإدارية العليا أن حكم إلغاء الترخيص لا يتماشى مع النظام القانوني المصري. وقال رئيس المحكمة إن "قانون العقوبات وقانون تنظيم الصحافة خلت جميعها من أي نص يجيز للقضاء إلغاء ترخيص صحيفة، واكتفى فقط بضبط ومصادرة أعداد الصحيفة وتعطيل صدور الصحيفة بصورة مؤقتة"

بعد ثلاثة أيامٍ فقط من الحكم بحبس مهران، نظرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في الدعوى التي أقامها عدد من المحامين الأقباط ضد وزير الداخلية المصري لإلزامه بتسجيل زي رجال الدين المسيحي بشكل رسمي

وتضمنت دعوى المحامين الاقباط التي بدأت المحكمة نظرها في 24 يوليو 2001 المطالبة بتأثيم من ينتحل أو يرتدي زي رجال الدين المسيحي ما لم يكن له عمل كهنوتي أو رهباني، خوفاً من تكرار قضية الراهب المشلوح منذ عام 96 وظل على ارتداء زيه الديني

وكان عدد من المحامين الاقباط هم المستشار نجيب جبرائيل وهاني داود وبدوي أبوهيبة وولاء إدوار وانتصار يعقوب والفونس ميشيل وسميح وفيق، أقاموا دعوى مستعجلة لتسجيل زي رجال الدين المسيحي في أعقاب الأزمة التي شغلت الرأي العام المصري بين الكنيسة المصرية وصحيفة "النبأ"

وقال المستشار نجيب جبرائيل "إننا طالبنا بتسجيل الزي الديني منذ 10 سنوات ولكن الدولة لم تستجب لطلبنا. ولو كان حدث ذلك ما كانت الأزمة الأخيرة التي أرقت الاقباط وأدت إلى احتقان الشارع المصري". وأشار الى ضرورة تأثيم واقعة ارتداء الزي الرهباني أو الكهنوتي مثلما يؤثم من يرتدي زي الشرطة أو القوات المسلحة وذلك طبقاً لمواد قانون النصب وقانون العقوبات"


غير أن محكمة القضاء الإداري رفضت دعوى تسجيل زي رجال الدين المسيحي حتى الآن


بدأ تنفيذ الحكم بحبس رئيس تحرير "النبأ الوطني" فور المصادقة عليه


غير أن مهران عانى من مشكلات في القلب قبل يومٍ واحد من صدور الحكم، فصدر قرار بعلاجه في معهد القلب في إمبابة شمال الجيزة، حيث بقي هناك لشهورٍ طويلة وسط حراسةٍ مشددة

وبعد 22 شهراً، وتحديداً في 13 يوليو 2003، توفي ممدوح مهران في المستشفى، عن عمر يناهز 57 عاماً. وبعد توقيع الكشف الطبي عليه داخل غرفته بمعهد القلب، تبين أن الوفاة جاءت نتيجة ارتفاع في ضغط الدم. وسرعان ما شيعت جنازة مهران من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين إلى مقابر أسرته بمدينة 6 أكتوبر

وبالتأكيد فإن نار الفضيحة أحرقت بشكل أو بآخر ثوب السيدة التي كانت قد تقدمت بشكوى ضد تهديدات وتأثير راهب دير المحرق. أما الراهب المشلوح بطل الفضيحة الذي وصفه البعض بأنه راسبوتين جديد، فقد اختفت أخباره باستثناء خبر أوردته وكالة الأنباء الكويتية "كونا" في 3 أغسطس 2001 قالت فيه إن محاكمة عادل سعدالله غبريال تواجه مأزقاً، حيث لم يتقدم أي محام حتى ذلك التاريخ للدفاع عنه


ونقلت الوكالة عن أقارب الراهب المشلوح قولهم إن اتصالاتهم بالمحامين الأقباط المقربين من الكنيسة والبابا شنودة الثالث فشلت فى إقناع أي منهم بتولي مهمة الدفاع عن برسوم المحرقي الذي ترى الكنيسة أنه" تسبب في كارثة"


أما جريدة "النبأ" فقد عاودت الصدور تحت رئاسة تحرير د. حاتم مهران، نجل ممدوح مهران، وكأن شيئاً لم يكن